الأنواع الغازية: من جمال أستراليا إلى إستاكوزا النيل

مع بداية عام ۲۰۲۰، تابع العالم الأحداث التي نشبت في أستراليا منذ أن بدأت غاباتها في الاحتراق وما أدت من خسائر وحتى إعلان الدولة قرارها بقتل ما يقارب العشرة آلاف جملًا بريًا. فبالرغم من أن الحرائق في أستراليا شيئًا معتادًا وجزءً من الحياة الطبيعية، بل جزء من ثقافة السكان الأصليين (الأبوريجين) أيضًا، إلا أن منذ عام ۱۸٥۱ بدأت تُصبح هذه الحرائق كارثية، فتودي بحياة عشرات الأشخاص والكثير من الكائنات في كل مرة. وفي عام ۲۰۰۹ بالتحديد، بسبب فترة الجفاف الطويلة ودرجات الحرارة المرتفعة، اندلعت أكبر حرائق أستراليا في تاريخها وأودت بحياة ۱٧۳ شخصًا وتسببت في خسائر أخرى مهولة. حينها، كان تصور تكرار هذه الكارثة أمرًا صعبًا بعض الشئ، لكن بداية هذه السنة شهدت فترة تُعد هي الأكثر جفافًا على الإطلاق حيث تجاوزت فيها درجات الحرارة المتوسط المعتاد لتتخطى أكبر الأرقام المُسجَّلة في بعض المناطق، ولذلك اندلعت الحرائق التي قتلت حوالي المليار كائن.

وبالرغم أن الكثير من العلماء يرون أن هذه الزيادة في تأثير الحرائق أمرًا طبيعيًا نظرًا للظروف البيئية الحالية والتغيُّر المناخي الذي يواجهه العالم، وأن وضع الحرائق بأستراليا ما هو إلا علامةً واضحة لما سيحدث في العالم إذا استمرت التغيُّرات المناخية على وتيرتها، تُعد أستراليا من أكثر الدول المنتجة للفحم، ومن ثم، من أكثر الدول المتسببة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يجعلها واحدةً من أكبر المتسببين في تلك التغيُّرات. وبالرغم من هذا، لا تضع الدولة سياساتها بعين الاعتبار، بل تبحث عن أسبابٍ أخرى لتُصَدِرها للرأي العام والمجتمعات الدولية وكأنها السبب الوحيد في هذه التغيُّرات، وهذه المرة لم تجد إلا الجمال البرية التي قررت الدولة قتل ما يقارب العشرة آلاف منها دفعةً واحدة.

جِمال أستراليا لا تعتبر كائنات محلية أصيلة، فقد شاهدها السكان الأصليون لأول مرة في القرن التاسع عشر عندما جلبها المستوطنون ليستخدموها في أعمال النقل والبناء بالمناطق النائية. ثم مع بداية القرن العشرين، بظهور المُحركات وشيوع استخدامها في وسائل النقل، أُطلِقت هذه الجمال في البرية، وبسبب ما أبدته تلك الكائنات من تكاثر سريع جدًا، أصبحت أستراليا موطن لأكبر قطعان الجمال البرية في العالم. والآن، يجوب أستراليا ما يقارب الثلاثة ملايين جملًا بريًا، ولأنهم يستهلكون الكثير من المياه، تسبب تواجدهم في مزاحمة المجتمعات المحلية على مصادر الماء وجفاف بعض المناطق، فأصبحت الدولة تحاول وقف انتشارهم باعتبارهم من الأنواع الغازية التي تهدد البيئة وكائناتها الأصيلة. لذلك، ومنذ عام ۲۰۱۲، تقتل أستراليا سنويًا حوالي ٧٥ ألف جملًا بريًا. لكن الجمال ليست أول نوع دخيل يغزو أستراليا، ففي نفس القرن التي أُدخلت فيه، ظهرت الأرانب أيضًا لأول مرة في القارة. وبعد سنوات قليلة من إطلاقهم في البرية، انتشرت هذه الأرانب بشكلٍ مرعب لدرجة أن أعدادها قاربت العشرة مليارات، فأثرت على النظام البيئي كله بتعريتها للتربة في العديد من المناطق واتلافها للمراعي لتؤثر بذلك على أعداد الماشية وكائنات أخرى. لذلك تستخدم أستراليا حتى الآن عدة طرق لتقليص أعداد الأرانب منها الصيد وتفجير الجحور. 

الجمال تحمل البضائع في أستراليا أوائل القرن العشرين

الجمال والأرانب في أستراليا مثال عن الأنواع الدخيلة أو الغازية، وهي الكائنات الغريبة التي تغزو إحدى البيئات فتُسَبِب أضرارًا كبيرة لها ولحياة الكائنات التي تعيش بها. إدخال هذه الكائنات يكون في بعض الأحيان بسبب عوامل طبيعية، أو كما في الأغلب، بسبب البشر سواء بقصد أو بدون. وتشمل الأضرار التي تسببها الأنواع الغازية تدهور التنوع البيولوجي وتهديد الكائنات الأصيلة إما نتيجة للمنافسة بينهم وبين الأنواع الدخيلة أو لقلة مساحة الموائل المتوفرة لهم. وتعتبر هذه الأضرار التي تسببها شرطًا لاعتبارها أو تسميتها أنواعًا غازية، فمحصول مثل القمح عندما أُدخِل على بيئة أمريكا الشمالية في القرن الخامس عشر لم يضرها، لكن عندما أُدخِل نبات «الكودزو» الياباني في الولايات المتحدة بغرض التزيين وتغذية المواشي، نمى بشكلٍ رهيب حتى أُطلق عليه «النبات الذي التهم أمريكا». 

بيئة مصر تعاني أيضًا من غزو الأنواع الدخيلة لها، لكن هذه المرة غزو من أنواع أرانب مختلفة. فبعد تشييد قناة السويس، اجتاحت البحر المتوسط أنواع بحرية كثيرة جاءت من البحر الأحمر بعدما عَبَرَت القناة، وأكثر هذه الأنواع انتشارًا هما فصيلتان من سمك «الأرنب» وهما سمك «السيجان» وسمك «البطاطا»، الذي سُجِّل تواجدهما لأول مرة في البحر المتوسط على سواحل فلسطين، لكنهما انتشرا في اتجاه الغرب فوصلا إلى مصر وحتى تونس. يعيش النوعان في قاع البحر حيث يتغذيان على الأعشاب البحرية التي من ضمنها الطحالب السامة، ولأنهما من الأنواع القابلة للأكل والتي تُباع بالأسواق، يُسببان الوفاة فورًا إذا لم تُنزع أحشائهما قبل طهيهما. ومثل سمك الأرنب انتشرت أسماك عديدة دخيلة في البحر المتوسط وسواحل مصر، فانتشرت أنواع سمك «الينفوخية» وبالتحديد سمك «القراض» الذي يخلط البعض في تسميته بينه وبين سمك الأرنب. وينتشر بيع سمك «القراض» هذا في المحافظات بالرغم من تجريم تداوله لتسببه في حالات تسمم سابقة في بعض المحافظات الساحلية، فهو يصلح للأكل فقط إذا نُظِّف لحظة صيده مباشرةً، لكن غالبية الصيادون لا يفعلون هذا. وبعيدًا عن كونها من أكثر الأسماك سُمّيَّةً، تتمتع أسماك «القراض» بأسنانٍ قوية تُمكِّنها من قطع شباك الصيادين ومهاجمتهم فيكبدونهم أضرارًا كبيرة. 

سمكة القراض

وبشكلٍ عام، يُعد البحر المتوسط من أكثر البحار التي تنتشر فيها الأنواع الغازية، حيث أن النقل البحري ومياه صابورة السفن من أكبر مصادر إدخال تلك الأنواع إليه منذ أن انتشرت السفن الخشبية التي تلتصق الكائنات البحرية في هياكلها. ومع التطور وظهور مياه الصابورة، تفاقم الأمر وأصبحت تتنقل مع السفن حول العالم أينما ذهبت. لكن بالرغم من ذلك، يُعد وصول تلك الكائنات من خلال السفن مثالًا على إدخال الأنواع الغازية عن غير قصد، أما الطرق المقصودة تكون مثل إطلاق بعض أنواع الأسماك لزيادة كميات الصيد المحلية أو للتجارة بهذه الأنواع نفسها. وفي الواقع، حدث أمرٌ مشابه لذلك في مصر، لكن مع نهر النيل وليس البحر المتوسط. 

«إستاكوزا المستنقعات الحمراء» أو «إستاكوزا النيل» نوع من القشريات البرمائية بيئته الأصلية في أمريكا الشمالية، لكنه ظهر لأول مرة في مصر مع بداية الثمانينات وتفشى في الألفية الجديدة، حيث تُرَجِح الروايات أن أحد المستثمرون أتى به لمزرعته السمكية بغرض الاستثمار، لكن مشروعه فشل فألقى بكل الأعداد التي ملكها في النيل. تكاثرت هذه الإستاكوزا سريعًا وغزت معظم محافظات الدلتا والوجه البحري والكثير من الأراضي الزراعية، حيث أنتجت أعدادًا مهولة أضرت بالثروة السمكية في تلك المناطق، فإستاكوزا النيل تتغذى على ذريعة الأسماك وبيضها، كما أنها تمزق شباك الصيادين. ومن النيل إلى الأراضي التي يرويها، تحفر أنفاقًا في الأراضي الزراعية يصل طول بعضها إلى متر ونصف، مما يدمر هذه الأراضي أيضًا. لذلك، بدأ الصيادون والمزارعون محاربة هذا النوع الذي أطلَق عليه البعض «صراصير النيل»، فلجأ بعضهم إلى صيدها باستخدام أقفاص معدنية بداخلها طُعم ومن ثم يكسرون اذرعتها ويقتلونها. لكن مع مرور الوقت تغيَّر الوضع، حيث تبيَّن أن هذا النوع الذي يجوب المصارف والترع يُعد أحد الوجبات الأساسية في دول مثل الولايات المتحدة والصين. لذلك، بدأ الصيادون اصطياد هذه الإستاكوزا بغرض التجارة وليس الانتقام، حتى أن بعض المصانع شُيّدت بهدف تصدير هذا النوع إلى الدول الأخرى.

 إستاكوزا النيل

ويُعد «ورد النيل» تحدٍ آخر يواجه نهر النيل، فهو نوع من النباتات المائية الطافية سريعة النمو والانتشار بالمجاري المائية، والتي أُدخِلت على مصر في أواخر القرن التاسع عشر كنبات زينة لنافورات القصور، وكانت الأعداد الزائدة منه تُلقى في نهر النيل، لكن الفيضانات كانت تُلقيه في مياه البحر المتوسط الذي يقضي عليه بملوحته. ثم مع بناء السد العالي وتوقف الفيضانات، انتشرت أعداد «ورد النيل» فامتد إلى الترع والمصارف والقنوات ليسدها ويعيق الملاحة فيها ويعطل عمليات الري. فقد ساعد المناخ في مصر ورد النيل على البقاء، كما أن ارتفاع نسبة المخلفات الكيماوية وخلو مياه النهر من الطمي حاليًا تعتبر أسبابًا دفعته للتفشي والتسبب في أضرار بيئية كبيرة. فيمتلك ورد النيل مجموعة كبيرة من الجذور الكثيفة التي تنتشر أسفل سطح المياه والتي يستخدمها في امتصاصه الشَرِه لها، حيث يستنزف كميات تصل إلى مليارات الأمتار المكعبة، والتي يستهلكها لكِبَر المساحة التي تغطيها أوراقه والتي تُكوِّن حاجزًا يحجب ضوء الشمس عن كائنات أخرى، كما تساعد على انتشار العديد من الأمراض كالبلهاريسيا، لأنها تأوي أنواعًا من الذباب والقواقع الناقلة لهذا المرض. وبالإضافة إلى تشكيله إلى جزر نيلية تعيق الصيادين، فقد تَسَبَّب أيضًا في خفض نسبة الأكسجين الذائب في المياه ورفع درجة القلوية مما أدى إلى خفض أعداد الأسماك ليؤثر على عمليات الصيد بشكلٍ مهول. هذه الأضرار التي يُسببها دفعت الدولة لاستخدام طرقًا مختلفة لمكافحته مثل استخدام معدات حفر لإزالته كليًا، أو نشر أسماك خاصة تتغذى على جذوره وتقضي عليه مثل أسماك «مبروك الحشائش».

أما على ضفاف النيل فتنتشر النباتات الغازية في كل أنحاء مصر تقريبًا، حيث يصل عددهم لحوالي ٨٤ نوعًا ويُشكلون ۳% من الحياة النباتية في مصر. بين نهر النيل وضفافه وإلى مصبه في البحر المتوسط المتصل بمياه البحر الأحمر وحتى وصولنا إلى كل بلاد العالم، تُعد الأنواع الغازية أحد أخطر التهديدات على الحياة في كوكبنا، بل أنها ضمن أكثر خمسة أخطار تهدد التنوع البيولوجي عالميًا، وحسب الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، هي الدافع الرئيسي لانقراض كل الكائنات حاليًا. وكوننا، نحن البشر، المتسببين في انتشار أغلب هذه الكائنات، وباعتبارنا أكثر الكائنات انتشارًا على الأرض، علينا أن نعيد النظر في تصرفاتنا التي تسبب خللًا في الطبيعة من حولنا.

2020-10-15T17:44:18+00:00